دار الحديث الأشرفية
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا

دار الحديث الأشرفية

منتدى أهل السنة والجماعة
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
وليد79
 
الإمام الرباني
 
talebo3elm
 
دياب
 
ابو الحسن
 
الاشرفية
 
salimsalim3
 
دمـــــــــــوع
 
محمد علي الهاشمي
 
deab
 
المواضيع الأخيرة
» المافيا البربرية الأسدية تدمر مقام سيدي خالد بن الوليد في مدينة حمص السورية
الإثنين 29 ديسمبر 2014, 10:20 am من طرف وليد79

» تناقضات الوهابية للأستاذ أبو أيمن الجزائري
الأحد 28 ديسمبر 2014, 12:14 am من طرف وليد79

» شرح الأربعين النووية للإمام النووي مع الأستاذ أبي أيمن
السبت 27 ديسمبر 2014, 11:02 pm من طرف ahmed aglan_1

» يجوز تعليق التمائم التي فيها القرآن والكلام الطيب
الخميس 25 ديسمبر 2014, 1:54 am من طرف وليد79

» وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن 12 ربيع الأول سنة 11 للهجرة
الأربعاء 24 ديسمبر 2014, 12:43 am من طرف وليد79

»  شرح البردة للبوصيري تقديم الاستاذ ابو ايمن
الجمعة 19 ديسمبر 2014, 11:31 am من طرف وليد79

» ما المقصود بكلمة: الأشاعرة والاشعرية ؟؟
الأربعاء 17 ديسمبر 2014, 8:07 am من طرف وليد79

» مناظرة موضوعها الكسب عند الأشاعرة بين الأخ ديب الأشعري مع أسد الهاشمي الوهابي
الأحد 14 ديسمبر 2014, 12:16 am من طرف وليد79

» مناظرة الشيخ الازهري مع الوهابي الاثري
الخميس 11 ديسمبر 2014, 2:29 am من طرف ahmed aglan_1

منتدى

شاطر | 
 

 البنوك ضرورتها - عائداتها / الشيخ إبراهيم صالح الحسيني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الإمام الرباني



الـــمـــوطـــن : سورية عدد المساهمات : 173
نقاط : 517

مُساهمةموضوع: البنوك ضرورتها - عائداتها / الشيخ إبراهيم صالح الحسيني   السبت 02 فبراير 2013, 9:53 am

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبــه نسـتـعـين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين

أما بعد:- فإن الحلال بـيّن والحرام بـيّن و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس. فلا بد من الرجوع في معرفة ذلك إلى العلماء الذين قال الله تعالى في حقهم:هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون،وقاليرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات.

وأمر الجاهل من أفراد هذه الأمة بسؤال العالم فقال:فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

وقبل الدخول في تفاصيل أحكام المعاملات البنكية المشهورة يجدر بنا أن نشير إلى تاريخ نشأة البنوك وتطور المعاملات فيها، وأهم وجوه التعامل التي يكثر حولها الجدل لدى المسلمين

1- البنك

إنه منذ القرون الوسطى أعتاد الناس أن يودعوا فائض أموالهم في البنوك وكان السبب في ذلك أصلا، إما الكسل أو الإحجام أو العجز عن إستثمارهم لها بأنفسهم، وبعضهم يودع هذه الأموال في البنك انتظارا لوجود مجال ليستثمرها فيه. وقد تبقى هذه الأموال في البنك طويلاً تحت تصرفه وهذه الودائع تنقسم إلى:

1- الودائع الثابتة.

2- الودائع ذات الأجل.

3- الحساب الجاري.....الخ

وكان في السابق يقرر البنك لأصحاب الودائع الثابتة، والمؤجلة فائدة منخفضة السعر ثم يقرضها هو بمعرفته للراغبين بفائدة مرتفعة ويكسب دائماً الفرق بين السعرين، فالبنك يعتمد كل الاعتماد على هذه الفائدة التي يقدم جزءً صغيرا منها لعملائه إلى جانب أنشطة أخرى مهمة في العمليات التجارية الحديثة، فأولا الفائدة وهي سلاح ذو حدين تؤخذ من المقترضين من اجل تمويل مشروعات إنتاجية أو لسداد مطالب استهلاكية ويعطي منها على الودائع كما اشرنا نسبة صغيرة يتفق عليها مع المودعين بغية استثمار أموالهم لديه وبما أن البنك جهاز يتولى تقديم الائتمان التجاري لعملائه يتلقى منهم الودائع النقدية التي تشكل معظم رأس المال فيه ويصدر استغلالاً لهذه الودائع القروض الربوية التي تخلق له قوة شرائية وهمية في صورة نقود مصطنعة تعرف بالإئتمان التجاري 'COMMERCIAL CREDIT' وبهذا النظام أصبح التعامل بالنقود الذهبية أو الفضية أو الأوراق النقدية المعروفة بالبنكنوت محدوداً جداًّ إذ اقتصر على المعاملات البسيطة المحدودة القيمة.

أما أكثر المعاملات لاسيما الكبيرة القيمة فتجري بالشبكات التي تسحب على الودائع المصرفية، وهذه الودائع مع كونها تتمثل في مجرد قيود دفترية في سجلات البنك أصبحت بمثابة عملية نقدية حقيقية تسيطر عليها البنوك وبذلك تسرع البنوك في ارتقاء سلم الغني إلى قمته بحصولها على الفوائد المقررة من المقترضين و بإبتعادها عن المساهمة في مخاطر مشروعاتهم، وعلى كل حال فان الوظائف التي تؤيدها البنوك تتمثل في:

أولاً: تيسير التبادل التجاري بإدخال نظام الائتمان المصرفي الذي هو مجرد وعد بدفع ثمن السلعة أو الخدمة دون حاجة إلى تداول النقود معدنية أو ورقية من يد إلى يد، وهذا الوعد يتمثل في صورة شيك،'CHEQUE' يصدره العميل إلى مصرفه يأمره فيه بدفع مبلغ إلى شخص معين أو لحامل الشيك والبنك من جانبه يدفع قيمة الشيك إلى الشخص المسمى فيه أو لحامله من حساب فتحه العميل في البنك سابقاً.

وقد يتخذ الوعد بالدفع صورة فتح اعتماد'OPEN CREDIT' فيتعهد البنك بجعل المبلغ المعين تحت تصرف العميل لمدة معينة يسحب منه تباعاً، وهذه صورة من صور الإقراض يفرض عليها البنك فائدة ربوية قد تكون محجفة بالمقترض.

وقد يريد العميل السفر من بلد إلى بلد آخر أو من دولة إلى دولة أخرى وهو لا يريد أن يحمل نقوداً معه بل أصبح من المتعذر الآن حمل هذه النقود خصوصاً إذ كان المبلغ كبيراً فانه لذلك يذهب إلى بنكه وعلى أساس حساب ودائعه فيه يأخذ منه خطاب اعتماد'LETTER OF CREDIT' يوجه البنك العميل إلى فرعه هناك أو إلى بنك آخر يأمره بدفع المبلغ المطلوب للعميل والبنك في مثل هذه الصورة لا يتقاضى من عملية فائدة ربوية كبيرة بل يكتفي بعمولة بسيطة.

ومن صور الوعد بالدفع أو التعهد: السند الإذني المعروف ب 'PROMMISSORNOT' وهو التزام مكتوب بتعهد فيه شخص – وهو المحرر- بدفع مبلغ معين في تاريخ معين لشخص آخر أو لأذنه هو- المستفيد- وهذا السند الإذني يصبح أداة وفاء، إذ يستطيع المستفيد أن يصرف قيمة السند من البنك فوراً قبل حلول تاريخ السداد مقابل فائدة ربوية يخْصِمُهَا البنك من المستفيد مقابل الأجل.

ومن صور الوعد بالدفع صورة الكمبيالة 'EXCHANGE BILL OF' وهي عبارة عن أمر مكتوب يتوجه به شخص يسمى الساحب إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه طالباً منه دفع مبلغ معين لأذن شخص ثالث يسمى المستفيد فإذا قدم المستفيد هذه الكمبيالة إلى بنكه بعد أن ظهرها المسحوب عليه دفع البنك قيمة الكمبيالة إلى بنكه بعد أن ظهرها المسحوب عليه دفع البنك قيمة الكمبيالة بعد خصم الفائدة الربوية على المدة التي سوف تمضي قبل حلول اجل الوفاء أو السداد المقرر في الكمبيالة.

وهناك صور أخرى كثيرة للتعامل المصرفي استحدثت مؤخراً وبهذه الوسائل حققت البنوك الربوية سهولة التبادل التجاري، وهو واحد من أهم أهداف ثلاثة ترمي سياسة البنوك الإقتصادية إلى تحقيقها.

ثانياً: تيسير الإنتاج بتقديم القروض الائتمانية وهي القروض التي يستعين بها المنتج على استكمال نفقات الإنتاج فالبنك بهذا الائتمان يسر الإنتاج بوضع أمواله تحت تصرف المنتج أو المنتجين وطبعا عن طريق هذا القرض الربوي.

ثالثاً: توفير رأس المال وتعزيز طاقته بالنسبة لجميع أصحاب المشاريع الذين لا يملكون رأس المال الكافي بإستغلال التخصصات المختلفة.

ولكنك تعلم أن هذا المال الذي يوفره البنك للمنتجين على اختلاف درجاتهم ومستوى منتجاتهم هو أولاً يتكون من ودائع المودعين حساباتهم الجارية وغيرها، ويكسب البنك من وراء تلك القروض التي يقدمها لأصحاب الإنتاج الفوائد الربوية الباهظة والمحرمة في آن واحد.

2- حكم إيداع الأموال في البنوك

هذا، ولقد عرضت مسألة[ربا البنوك والإيداع فيها على أعضاء لجنة الفتوى التابعة للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية التي عقدت جلستها الأولى في العاشر من شهر أكتوبر حتى الثالث عشر منه بسكتو، تحت رعاية سلطان المسلمين صاحب السمو السلطان ابراهيم دسوقي سلطان سكتو، وبعد مداولات رأي العلماء أن الحرام لا يحل، وان الفوائد البنكية المعهودة الآن هي من ربا النسيئة وعليه فان ذلك حرام. ولكن الإيداع في البنك أمر لا مَهْرَبَ منه لإنعدام الأمن في البلاد، وذلك لأن الاعتبار بالضرورة أمر مشروع لقوله تعالى وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه، وان كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو اعلم بالمعتدين الأنعام الآية 119

وقال تعالى أيضاً:قل لا أجد في ما أوحي إليَّ محرما ً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحاً أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيمالأنعام الآية 145

وفي سورة المائدة بعد أن ذكر المحرمات كلها قالSad(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا. فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فان الله غفور رحيم المائدة الآية 3.

وقال تعالى في سورة البقرة خطاباً لعامة المؤمنين:يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم البقرة الآية 172- 173.

3- جواز مخالطة المضطر للمحظور في الأصل

كل هذه الآيات متضافرة على أن المؤمن إذ اضطر إلى المحرم اضطراراً جاز له أن يخالطه بقدر الضرورة، ومن هنا اخذ العلماء تلك القاعدة الأصولية وهي الضرورات تبيح المحظورات. وهذا ترخيص من الله في هذه الأمور بجب الأخذ به.

وفي الحديث في مسند الإمام احمد وصحيح ابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمSad(إن الله يحب أن تؤتي رخصته كما يكره أن تؤتي معصيته)) لفظ ابن حبان. وفي لفظ لأحمدSad(من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفه)).[1]

وحديث أبي هريرة الذي قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمSad(أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا)) وان الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يأيها الناس كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم)) وقال :يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم.ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام مشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فإني يستجاب لذلك)). رواه احمد ومسلم والترمذي. لا ينافي حكم هذا الترخيص لأن الترخيص نص القرآن، ومع ذلك فان الحديث محمول على استعمال الحرام في نفسه أكلا وشربا ولبسا، وأما مسألتنا فهي في إيداع المال في البنوك مع العلم بأنها تتعامل بالربا في جميع أوجه التعامل بما في ذلك الحساب الجاري فانه على خلاف المعهود الآن يعطي بعض الفائدة بأمر الحكومة النيجيرية لصاحبه، أعني الحساب الجاري، والحكم في هذه المسألة واحد، بالنسبة لجميع البلدان التي قررت أعطاء بعض الفائدة على الحساب الجاري.

4- حكم فائدة البنك إذا تجمعت

والقضية الآن فيما يتجمع من فوائد البنك سواء عن طريق الحساب الجاري أو الوديعة أو غير ذلك من أوجه الإيداع في البنك في مقابل الفائدة فان المال المجتمع من أحد هذه الوجوه يعتبر من المال الحرام، فما حكم هذا المال شرعاً؟ والجواب هو أن المال الحرام، إذا تجمع بيد المسلم وعلم صاحبه أو أصحابه وجب رده إليهم لأنه حقهم، وإذا جهلوا فموضعه بيت مال المسلمين، ومخرجه إما الصدقة أو الفيء، والأقرب أن يتصدق به نيابة عن ربه أو أربابه، وهذا هو مذهب الإمام مالك رضي الله عنه.

هذا، ولقد بحث العلماء هذه المسألة من جميع جوانبها ونظروا إلى كافة أوجه الإيداع في البنك كالإدخار أو الإيداع أو الحساب الجاري فوجدوا كما تقدم أن جميعها يدخله الربا، وبعد مداولات توصلوا إلى أن حرمة الربا لا تزول بأي حال من الأحوال، ولكن التعامل مع البنوك بإيداع الفائض من الحاجة من المال فيها أمر ضروري لا يمكن تجنبه في الوقت الراهن لإنعدام الأمن على النفوس والأموال، كما هو مشاهد، فنتج عن هذا القرار تلك القضية التي اشرنا إليها وهي، إذا اجتمع هذا المال نتيجة تعاملنا مع هذه البنوك الإسلامية فكيف نعمل به مادمنا نقول انه حرام.

فرأى بعضهم أن يترك للبنك المعْنِىِّ، وهذا الجواب لم يبنَ على أساس علمي، وإنما نشأ عن لبس في الفهم ولا معول عليه، والحقيقية أن الحرمة خاصة بتملك المسلم له وتحليله لنفسه أو إنفاقه عليها ولا يتناول ذلك بحال من أخذه ليضعه في موضعه أو يصرفه في مصرفه الشرعي، وذلك لأن الشريعة لم تأمرنا بإلقاء مثل هذا المال في البحر ولا بإحراقه بالنار، وإنما يوضع في بيت مال المسلمين، ويصرف في مصارف الصدقة أو الفيء كما هو معلوم، فان الحرام إذا اجتمع بيد المسلم فالحكم فيه كما يلي:

1- إذا علم أربابه رد إليهم، وان كانوا غائبين انتظروا به.

2- وإذا جهل أربابه أو حصل اليأس من العثور عليهم لطول المدة وليس لهم وارث معروف.

3- أو استحال الرد لكون الحق مشاعاً بين كثيرين كمن غل شيئا من الغنيمة ثم تاب وأراد الرد بعد تفرق الجيش فانه لا يستطيع أن يوصل هذا الحق إلى جميع أصحابه فليس أمامه هنا إلا التصدق به كما سيأتي موضحاً في القول عن العلماء

قال الإمام القرطبي في تفسيره ج3 ص 366 عند الكلام عن من تاب من مال الربا:

((ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ثم اخرج مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب، لأنه يمكن أن يكون الذي اخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام، قال ابن العربي: وهذا غلو في الدين، فان كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه، ولو تلف لقام المثل مقامه والاختلاط أتلاف لتمييزه، كما أن الإهلاك إتلاف لعينه، المثل قائم مقام الذاهب، وهذا بين حِسَّا بيّن معنى، والله اعلم.[2]

قلت: قال علماؤنا أن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرا، فان أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه، وان أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فان التبس عليه الأمر ولم يدر كم الحرام من الحلال مما بيده فانه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فليرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه فان أيس من وجوده تصدق به عنه، فان أحاطت المظالم بذمته وعلم انه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده اجمع، إما إلى المساكين، وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا اقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس، وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبته، وقوت يومه، لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا أضطر إليه، وان كره ذلك من يأخذه منه وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء، بل هم الذين صيروها إليه فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه، وأبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس من اللباس إلا اقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته، ثم كلما وقع بيده هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا حتى يعلم هو ومن يعلم حاله انه أدى ما عليه. انتهى.

وبإمعان النظر في هذا الكلام يتضح لنا جليا أن المال الحرام إذا تجمع بيد المسلم فان علم أربابه رده إليهم ولا تصح توبته بدون ذلك فان جهلهم أو تعذر الرد عليهم بسبب كثرتهم وانتشارهم فانه يتصدق به نيابة عنهم أو يضعه في مصالح المسلمين.[3]

قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر، في كتاب الكافي (( وكره مالك تعليم الفقه والنحو والشعر والعروض بأجرة ، قال:وأما الغناء واللهو كله فحرام تعليمه باجرة وبغير أجرة، ولا يجوز لأحد أن يكرى معصرته ولا دابته ولا سفينته ممن يعمل الخمر ويحملها، وان فعل أخذ منه ما قبض في أجرة ذلك وتصدق به وعوقب على فعله، ثم قال: وهكذا لو أكرى بيته أو حانوته أو لمعة من أرضه ممن يبيع فيها الخمر)) ج 2 ص 756

قال في كتاب الحلال والحرام لأبي الفضل راشد أبي الوليد شيخ شيوخ المدونة بفاس المتوفى سنة 675هـ ص 211-216.[4]

((فأما النظر الثاني وهو نظر في الصرف،فإذا خرج التائب عن الحرام وميزه من ماله وهو أكثر ماله أو اقله أو كله، وهو قائم أو فائت بتغير دخله أو فاتت عينه بالكلية واخرج العوض عن ذلك فله في ذلك كله ثلاثة أحوالSad( إما أن يكون لذلك مالك معين، فيجب الصرف إليه والى وارثه ومديانه، فان كان غائبا فينظر حضوره أو الاتصال إليه، فان كانت له زيادة ومنفعة فلتجمع زيادته إلى وقت حضوره، وإما أن يكون له مالك معين وقع الإياس من الوقوف على عينه ولا يدري انه مات عن وارث أم لا؟ وربما انه لا يمكن الرد لكثرة الملاك كغلول الغنيمة فإنها بعد تفرق الغزاة كيف يقدر على جمعهم وان قدر، فكيف يصرف ديناراً واحدا مثلا على ألف أو ألفين، فهذا ينبغي أن يتصدق به، وإما أن يكون من مال الفيء والأموال المرصودة للمصالح كافة، فصرف ذلك إلى القناطر والمساجد والرباطات والسقايات ومصانع طريق مكة وأمثال هذه الأموال التي هي في الأصل شركة بين الخلق تصرف في المصالح العامة التي يشترك في الانتفاع بها كل من يمر بها من المسلمين. فحكم القسم الأول، بيِّن لا شبة فيه، وأما القسم الثاني، وهو التصدق. والثالث ، وهو بناء القناطر، فينبغي أن يتولاه القاضي فليسلم المال له ان وجد قاضياً أمينا فان كان القاضي مستحلا فهو بالتسليم إليه ضامن ولو أنفذ إليه مالاً يضمنه، فكيف يسقط عنه بالدفع ضمان ما قد استقر في ذمته بل يحكم من أهل البلد عالماً متديناً، فان التحكيم أولى من الانفراد. فان عزَّ ذلك فيتناول ذلك بنفسه، فان المقصود الصرف وأما عين الصارف، فإنما يطلب بتصرفات دقيقة في المصالح، فلا يترك اصل الصرف بسبب العجز عن صارف هو أولى عند القدرة عليه)).

قال: فان قيل: ما الدليل على جواز التصدق بما هو حرام فكيف بما لا يملك؟ وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام وحكي عن الفضيل[5] انه وقع في يده درهمان فلما اعلم أنهما من غير وجه وما هما بين الجماعة، وقال: لا أتصدق إلا بالطيب، ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي، فنقول: نعم ذلك لوجه واحتمال، ولكنا اخترنا خلافه للخير والأثر والقياس، أما الخير فأمر[6] رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام، إذ قال: أطعموها للأسرى، ولما نزل قوله تعالى:الـم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون [7] كذبه المشركون وقالوا للصديق: ((ألا ترون صاحبكم ما يقول؟ يزعم أن الروم ستغلب)) فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما حقق الله صدقه جاء أبو بكر بما خاطرهم، فقال: عليه السلام: ((هذا سُحْتُُ فتصدق به))[8] وفرح المسلمون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم المقامرة بعد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في المخاطرة مع الكفار،انتهى قوله.

وفي هذا الخبر دليل على أن من اشترى ما لا يحل بيعه وقُبض منه ثمنه أي ثمنه لا يرد على المشتري ولا يحل للبائع ، وهذا مذهب مالك في ثمن الغناء والنياحة وثمن الخمر والخنزير والميتة.

واختلف قول أصحابه في ثمن جلود الميتة إذا فات ذلك بيد مشتريه، هل يتصدق بالثمن مراعاة لحالتها وقت البيع وأنها لا ينتفع بها كذلك، أو أن الثمن يرد على المشتري أو وارثه لأن له قدرة على الدباغ، ففي ذلك شبهة.

قال: ((وأما الأثر فان ابن مسعود اشترى جارية ولم يظفر بمالكها لنقد الثمن فطلبه كثيراً فلم يجده فتصدق بالثمن وقال: ((اللهم هذا عنه إن رضي و إلا فالأجر لي)) سئل الحسن عن توبة الغالَ بعد تفرق الجيش، فقال: يتصدق به وروى أن رجلا سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليرد عليه، فأبى أن يقبض، فرأى بعض النساك فقال: ادفع خمسه إلى معاوية وتصدق بما بقي، فبلغ معاوية قوله فتأسف، إذ لم يخطر له ذلك ببال، وقد ذهب احمد بن حنبل والحارث المحاسبي وجماعة من الورعين إلى ذلك. انتهى قوله وفي هذه القصة دليل على أن للتائب أن يتولى الصرف بالصدقة مع وجود الإمام العدل، إذ لم يأمره الناسك بان يدفع الجميع إلى معاوية ليمسك الخمس، ثم يتولى معاوية التصدق بالباقي عن أربابه، ومع ذلك فقد استحسن معاوية ما أفتى به الناسك وتأسف إن لم يخطر له ذلك، فلم يحسن إلا ما رآه حسنا، وغفل عن ذلك في وقت استفتاء الغال له.

قال: ((وأما القياس فهو أن هذا المال متردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير، إذا وقع الأياس من مالكه وبالضرورة يعلم أي صرفه الى خير أولى من القائمة في البحر، فان رمَيْناه في البحر فوتِّناه على أنفسنا وعلى المالك، ولم تحصل منه فائدة، يعني والمفهوم من الشريعة أن جميع الطيبات من الأرزاق معدة للإنتفاع بها لإستبقاء الحياة التي يتوصل بسببها للقوة على عمل الطاعات، فمتى لم تعلم عين المالك صارت بيد التائب على حكم اللقطة، هذا هو الذي يفهم من مضمون كلامهم وان لم يصرحوا به في جميع الصور، قال: وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه وحصل الفقير سد خلته، وحصول الأجر للمالك بغير اختياره، لا ينبغي أن ينكر، فان الخبر الصحيح: للفارس[9] والزراع اجر في كل ما يصيبه الناس والطير من ثماره.[10]

قال: وأما قول القائل: لا أتصدق إلا منك بالطيب فذلك إذا طلبنا الأجر لنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر، وترددنا بين التضييع وبين التصدق قال: وقول القائل: لا نرضى لغيرنا إلا بما نرضاه لأنفسنا. فهو كذلك ولكنه علينا حرام لإستغنائنا عنه وللفقير حلال، إذ أحله دليل الشرع، وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل، وإذا حل فقد رضينا له الحلال، ونقول له: أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيراً،أما عياله وأهله فلا يخفى أن الفقير لا ينتفي عنهم، لكونهم عياله وأهله إذا كان هو فقيراً، بل هو أولى أن يتصدق عليهم، لأنه أيضاً فقير ولو تصدق به على فقير غيره لجاز، فكذلك إذا كان هو الفقير فلنرسم في بيان هذا الأصل مسائل.

وما ذكره في صدقه على نفسه وعياله فهو عين المذهب لأن مالكا-رحمه الله- يقول في المبعوث معه الهدي من نذر المساكين: انه يأكل منه بعد بلوغ محله إن كان المبعوث معه مسكيناً فقيراً، واستخرج من ذلك أصحابه أن من دفع إليه مال ليفرقه على المساكين كما أن من تصدق بماء على العطاش أو أوقف ما لا يشتري به ماء للعطاش ثم عطش، فانه يشرب منه فجوابه في الأصل وجواب أصحاب مالك سواء.

ففي كتاب اقتضاء الصراط المستقيم ص244 : نقل عن الإمام احمد فيمن أجر نفسه في حمل الخمر والميتة والخنزير لنصراني أو أجر نفسه في حمل محرم لمسلم، قال: كانت الكراهة اشد ويا خذ الكراء، قال: وهل يطيب له، على وجهين: أو جههما انه لا يطيب له، ويتصدق به))

وقال ص247 : نعم البغي والمغني والنّائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا هل يتصدقون بها أو يجب أو أن يردوها عل من أعطاهموها فيها قولان: أصحهما أنا لا ترد على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة ولا يباح للآخذ بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر، انتهى.

قلت: وهذا هو مذهب الإمام مالك في هذه المكاسب المحرمة إذا تجمع منها مال بيد المسلم يجب عليه أن يتصدق به أو يوضع في بيت مال المسلمين ويصرف في مصالح المسلمين

ومما يستأنس به في هذا الباب حديث حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ليشتري له أضحية بدينار فاشترى أضحية فاربح فيها دينارا فاشترى أخرى مكانها فجاء بالأضحية والدينار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالSad( ضح بالشاة وتصدق بالدينار)) رواه الترمذي ولأبي داود نحوه من حديث حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم وللمحدثين كلام في هذا الحديث بسبب انقطاع في إسناده لجهالة الراوي عن حكيم قال الحافظ الشوكاني ج5 ص271 جعل جماعة مناهل العلم هذا أصلا، فقالوا من وصل إليه مال من شبهة وهو لا يعرف له مستحقا فإنه يتصدق به

قلت: ويمكن أن يشهد لحديث حكيم عروة بن أبي الجعد البارقي أن النبي صل الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به له شاة فاشترى به شاتين فباع أحدهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه)) رواه احمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني

قال في الكافي: وكل شراب اسكر كثيرة لم يجز بيعه ولا شرابه ومن أراقه على مسلم فلا شيء عليه وهو في ذلك مأجور. ومن أراقه على ذمي ضمنه عند مالك وخالفه عبد الملك أي ابن الماجشون في ذلك، فقال لاضمان عليه فيه.

قال: وإذا باع نصراني خمرا من مسلم أدبا جميعا إلا أن يشربها المسلم فيبلغ بأدبه الحد، وإذا تقدم إلى النصراني أن لا يبيعها من مسلم فباعها منه عوقب، فان كان لم يقبض ثمنها اخذ الثمن من المسلم عند مالك وتصدق به عقوبة للنصراني لنقضه ما تقدم فيه إليه)) انتهى ج2 ص677

قلت: ولو باع الخمر مسلم أيضا لم يختلف الحكم فانه يؤدب وينزع منه المال ويوضع في بيت المال فيتصدق به أو يصرف في المصالح العامة، وهذا الحكم بالنسبة للمال الحرام الذي يتعمد مسلم اكتسابه بالباطل كالقمار وتجارة الخمور ونقلها، وتصنيعها، والربا بكل أشكاله وألوانه والباطل كله، فالفعل في نفسه حرام وما نتج عنه من مال لا يستحقه، وحيث أن المؤمنين يجب عليه أن يراقب الله تعالى في جميع معاملاته فليخرج جميع الحرام من ماله ويضعه في محله يسلم من عقوبة الله في الدنيا والآخرة.
_______________________________________

[1] - راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 491

[2] - راجع ج 1 ص 245- أحكام القرآن – للإمام أبي بكر بن العربي المالكي

[3] - راجع ج 2 ص 615- 617 من كتاب المقدمات لأبن رشد

[4] - طبع بأمر صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، عام 1990م بالمغرب

[5] - الفضيل بن عياض

[6] - رواه احمد من طريق رجل من الانصار وابو داود ايضاً من هذا الطريق، ومحمد بن الحسن في الآثار عن ابي حنيفة ورواه الطحاوي ايضاً.

[7] - سورة الروم الآية 1-3

[8] - رواه البيهقي في الدلائل والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابو يعلى وابن ابي حاتم وابن مردويه وابن عساكر واحمد والطبراني

[10] - رواه البخاري ومسلم واحمد والطيالي من طريق انس والطبراني من طريق ابي الدرداء ومسلم واحمد والطيالي من طريق جابر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5- التصدق بالمال الحرام إذا ورثه المسلم

ومما يدل على جواز التصدق بالمال الحرام أن العلماء اختلفوا في ارث المال الحرام[1] هل يورث أم لا؟ فقد رجح بعضهم انه يورث وان المسئولية تقع على الموروث وليس على الوارث شيء، ورأى بعضهم انه لا يورَّث وإنما يتصدق به أو يصرف في مصالح المسلمين، وفي كتاب النوازل للشيخ أبي الحسن علي بن عيسى العلمي الحسني الذي حققه المجلس العلمي بفاس. ص 106.

وأما ثبوت الإرث في المال الحرام فقد نقل ابن سلمون أن من مات وترك مالا حراما فلا يرثه ورثته ولا تجوز فيه وصاياه، والحكم فيه أن يرد إلى أربابه إن علموا، أو إلى ورثتهم، فان جهلوا وأيس من معرفتهم تصدق به عنهم على أحوج من يوجد، وينوي عن أربابه، لأن حكمه حكم الصدقة وقيل أن حكمه كالفيء، فيوضع في أهم أمور المسلمين، والفيء يصرف في مصالح المسلمين وهو حلال للغني والفقير ويبدأ أهل الحاجة منه، قال ابن الحاج في مسائله: فعلى هذا من بنى به مسجدا نفذ وصلى فيه على القول بأنه فئ ولا غرم عليه للمال، وعلى القول بان حكمه حكم الصدقة يكون عليه غرم المال لأن ما شأنه الصدقة من المال لا يوضع في بناء المساجد، قال ابن رشد: فان كان الورثة فقراء مساكين، ساغ لهم أن يأخذوه على وجه الصدقة لا على وجه الميراث، قال: وقد قيل أنهم إن كانوا ممن ينتفع بهم المسلمون ويغنون عنهم في وجه من الوجوه التي يجب أن يرزقوا عليها من بيت المال فلهم أن يأخذوه لإنتفاع المسلمين بهم على القول بان حكمه حكم الفيء أهـ كلام ابن سلمون. وتمامه في أجوبة ابن رشد والقياس على هذا أن يأخذوه على سبيل الميراث لأنه إذا رأى حكمه حكم الفيء، فقد اسقط حق أهل التباعة منه للجهل بهم، وإذا سقط حظهم منه، وجب أن يكون ميراثا للورثة بالنسب، انتهى[2]

ومن جميع ما تقدم تدرك أن القول الداعي إلى ترك الفوائد المترتبة على الإيداع في البنك للبنك قول مخالف لحكم الشرع فلا يعول عليه. وكما لا يجوز إلقاؤه في البحر ولا إحراقه بالنار، لأن ذلك فساد منهي عنه، كذلك تركه في أيدي أصحاب البنك تفويد لمصلحة راجعة إلى عادة المسلمين فلا يجوز، وهذا هو صريح الفقه، ثم إن المودع ليس في نيته جمع تلك الفوائد أو تملكها، ولكن ذلك مما عمت به البلوى، وحكم ذلك معلوم من قواعد الفقه وأصوله لدى علماء الشريعة.

6- بيان الحلال لغة وشرعاً

الحلال: هو ما إنحل عنه حق الله تعالى وتبعات الآدميين فلم يتعلق به حق لله ولا لغيره، ومن البديهي أن ما تعلق به حق الآدمي تعلق به حق الله تعالى إذ ليس لمخلوق حق إلا وللحق تعالى فيه حق،لأنه تعالى مالك كل شيء ومليكه وأمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والبغي والعدوان، وقد يتعلق بالشيء حق لله تعالى ولا يتعلق به حق لغيره عز وجل كإتلاف المكلف ما يملكه كإحراقهس ثوبه أو هدمه بناءه الذي يملكه أو فعله ذلك بما يملكه الغير ولكن بإذن المالك ورضاه، فمثل هذا لاحق للآدمي فيه ولكن لله تعالى فيه حق لقوله عليه السلام: إن الله ينهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال...الحديث وهو في الصحيح.

واختلفوا في الحلال، فقيل هو ما علم أصله واصل أصله أي علم بأنه خال من حقوق الله تعالى وتبعات الآدميين، وقيل هو ما جهل أصله فلم يعلم هل اكتسب بطريق ماذون فيه أو غير ماذون فيه، وهو قول الإمام مالك والشافعي رضي الله عنهما. وقيل هو ما علم أصله فقط وهو قول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه[3]، والى ذلك أشار الشيخ الخطيب محمد بن عبد الرحمن الشهير بابن بنت الحاج البرناوي بقوله في شرب الزلال:

وكل ما لم يتـبين أصله ** هو الحـلال كله ذا محله

فخذ على ظاهر فقه ما صنع ** من غير أن تسال عن اصل جنح

لا ينبغي اليوم لنا السؤال ** إذا الأصول فسدت قد قالوا

هـذا هو الأرفق لا من قالا ** مـعلوم الأصل فاحذر الجدالا

ومعنى الأبيات أن كل ما لم يتبين أصله فهو الحلال على ظاهر الشرع ولا ينبغي البحث بالسؤال عن الأصل أو أصله لأن في ذلك من التشديد ما لا يخفى خصوصا في مثل هذا الزمان الذي فسدت فيه أصول المعاملات بسبب ظلم الأمراء وخيانة الإجراء والعامل أكثر أهل التجارة بالربا وظهور المكث والظلم والخيانة في جل المعاملات، ومن هذا تعلم أن هذا هو الصواب لأقول من أوجب البحث عن الأصل فضلا عن القول بمعرفة اصل الأصل ولاشك أن الأخذ مع الجهل خير من الأخذ مع العلم بالتحريم، ويشهد لذلك ما جاء في الباب من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بترك السؤال ما لم يكن هناك دليل يوجب البحث فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه وان سقاه شراباً من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه.)) رواه احمد وعن انس بن مالك قال:إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه.ذكره البخاري في صحيحه.

7- بيان طريق الحلال

وطرق الحلال هي العمل، وهو أصلها ويشمل الزراعة الصناعة والتجارة، وشرطها الصدق الورع في المعاملة فإنها حلال وطريق إلى الحلال، ولكن قد يسرى الحرام إليها بسبب سوء المعاملة والخيانة وانتفاء العفة والورع ويشترط في الجميع العلم بحكم الله تعالى فيها والمجاملة في الطلب، والنصيحة في الأخذ والإعطاء والوفاء والاستيفاء لحديث تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قالSad( إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة،إن الدين النصيحة، لله ولكتابه ولنبيه ولأيمة المسلمين وعامتهم)). رواه الشافعي في الرسالة، واحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي هريرة.أيضاً، ولحديث((إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فان ما عند الله لا ينال إلا بطاعته.)) رواه أبو نعيم عن أبي أُمامة.

وذكروا أن من طرق الحلال:

1- الصيد في البر: ويشترط أن يكون المصيد غير محرم والصائد غير محرم،وان يكون في غير المحرم، وصيد البحر اعني حلال في جميع الأحوال.

2- ثم الميراث: إن كان الموروث مملوكا لصاحبه، اعني الميت.

3- ثم الثمار: التي تنبت في الموات أو الحبوب، وما أشبه ذلك إن لم يسبق إليه مسلم.

4- ثم ماء الغدران: اعني البرك.

5- ثم السؤال للمحتاج الصادق.

6- ثم هدايا الصالحين.

7- ومن الحلال: الأموال التي توضع في بيت مال المسلمين وهي:

1- الخمس .

2- والعشر.

3- والجزية.

4- والخراج.

5- والفيء.

6- والمال المجهول أربابه.

7- ومال من لا وارث له.

8- والمعادن.

9- والمأخوذ في نظير الإقطاعات.

ويستثنى من المال الذي جهل أربابه، اللقطة، فإنها تعرف عاما، ثم يجوز تملكها لواجدها بعد تلك المدة.

1- فأما الخمس: فهو خمس الغنيمة أي إن المسلمين إذا قاتلوا الكفار الحربيين وغنموا منهم شيئا من المال فانه يقسم خمسة أقسام يوضع قسم منها في بيت مال المسلمين، وهذا القسم هو الخمس. وكذلك الركاز فعلى واجده تخميسه ووضع خمسه في بيت المال.

2- وأما العشر: فهو ما يؤخذ من الكفار إذا تجروا من إقليم إلى آخر في بلاد الإسلام.

3- وأما الجزية : فهي الضريبة المفروضة على الكفار في نظير حمايتهم وترك قتالهم وإقرارهم على ما هم عليه وإقامتهم في بلاد الإسلام.

4- وأما الخراج: فهو كراء ارض الزراعة التي ترك بأيدي الكفار ليقوموا عليها باتفاقية خاصة بينهم وبين المسلمين.

5- وأما الفيء: فهو مال الكفار الحربيين الذي جلوا عنه بلا قتال.

6- وأما المال المجهول أربابه: فكالمغصوب والمأخوذ مكسا من شخص مجهول. والمدفون الذي يعلم أن له صاحبا ولم يعلم، وكذلك الغلول بعد تفرق المجاهدين وتعذر رده.

7- وأما مال من لا وارث له: فهو مال إنسان مات ولم يخلف وارثا بالفرض أو التعصيب أو فضل من صاحب فرض غير عصبة ولم يشترط انتظام بيت المال عندنا.

8- وأما المعدن: فيقصد به مستقر الجواهر في الأرض ويراد به نفس الشيء المستخرج من الأرض كالذهب والفضة والنحاس والنفط وسائر ما يستخرج من الأرض، ويجب أن تستغل الدولة المعادن بجميع أنواعها لصالح المواطنين.

9- وأما المال المأخوذ في نظير الإقطاعات: فهو المال الذي يدفعه من أقطعه أرضاً أو وادياً تمتيعاً لا تمليكا فان هذا المال الذي يدفعه في نظير الأرض التي اقطع إياها يوضع في بيت المال ومتى اخذ الإنسان ما يستحق من بيت المال فهو حلال لا شبهة فيه وأخذ المرء ما لا يستحق ظلم لا يجوز ولو كان ذلك من بيت المال فافهمه.


8- حكم ضرائب الدخل التي تفرضها الدولة على المسلمين

واعلم أن ما يؤخذ من المسلمين من مكس أو جزية أو عشر أو خراج لا يحل تناوله، لأن حكمه حكم المغصوب إلا في ضرب الخراج أو الضرائب على المسلمين لعجز بيت المال عن المصالح العامة فـجازه بعض العلماء، ويقدر بقدر الحاجة، ويشترط عدم صرف المال في غير وجوهه كإعطاء من لا يستحق ومنع من يستحق و إلا منع إعطاؤه وأخذه والعدالة الاجتماعية مفقودة في أكثر بلاد الإسلام اليوم وهذه المخالفات موجودة في سائر الأقطار خارج أفريقيا وداخلها.

9- حكم ما فوته الغاصب بتصرفه في المغصوب

من غصب حيوانا أو شيئا آخر فحصل فيه مفوت كذبح[4] الحيوان وشيء للحم أو طبخه. فقال أئمة المذهب كالناصر اللقائ والبدر القرافي وابن الحاج صاحب المدخل لا يحل هذا أبدا، وقال فريق إن علم انه يدفع القيمة للمالك فانه يحل قبل الدفع وبعده، وهو قول ابن تاج وبعض شراح المختصر، ولا فرق بين أن يحصل فيه المفوت عند الغاصب او المشتري منه، ووجه قول المانعين أن الحيوان من المقومات وتفويد المقوم بذبح ونحوه لا يقطع حق المالك المغصوب منه،بل يوجب له الخيار. إما أن يأخذ ولا شيء له في نظير نحو الذبح على الصحيح، وإما أن يتركه ويأخذ القيمة من الغاصب فإذا اختار شيئه فذلك واضح، وأما لو اختار اخذ القيمة فله منع الغاصب وغيره من التصرف في المغصوب إلى أن يدفع له قيمته فلا يجوز للغاصب ولا لغيره أن يتصرف قبل الدفع إلا بإذن المالك ورضاه.

ووجه قول الفريق الثاني وهو المجوز أن الغاصب يملك المغصوب إذا اشتراه من المالك أو غرم الغيمة سواء دفعها بالفعل أو لا، لقول خليل: وملكه إن اشتراه أو غرم قيمته)) قال شراحه أي لزمه غرم قيمته بحكم الشرع إذا فوته سواء غرمها بالفعل أولا، وإذا ثبت ملكه صح تصرفه فيه فيحل أكله للغاصب ولغيره بإذن الغاصب وقد اعتمد الجماعة قول ابن ناج في هذه المسالة وعلى القول بالحرمة فلا يجوز تملك هذا المغصوب بأي وجه من وجوه التملك لا بشراء ولا بهبة ولا بصدقة ولا في وفاء دين. وأما على القول الثاني الراجح فيجوز أخذه في الجميع كأكله وعلى كل فالورع التصدق به.

واللحم الذي يؤخذ من المكس وغيره مما اعتاد الماكسون أخذه من الناس لا يحل أكله على التفصيل السابق ويجري فيه الخلاف ذاته إذا فوته المكاس بشيء أو طبخ أو المشتري منه وأما قبل التفويت فلا يجوز لأحد التصرف فيه لا للغاصب ولا لغيره وهو على ملك صاحبه.

والمكس عبارة عما يأخذه أعوان السلطان أو الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عن سائر الأشياء عند إدخالها في المدن الكبيرة أو عند دخول السوق بها، وقبل البيع كالذي يؤخذ في أسواق بعض هذه البلاد من البائعين أو كالذي كان سائدا في البلاد من وقوف عبيد السلطان على أبواب البلد من كل جهاته لأخذ ما يسمونه بالحق وهو ما يأخذونه من أرباب السلع فيأخذون من الحطابين حطبا ومن الحشاشين حشيشاً ومن الرعاة من جنس ما هو عندهم بقار أو غنماً أو معزاً أو دراهم بحساب ذلك أو دجاجاً من بائع الدجاج حتى أبطلت هذه العادة التعسة قبل الاستقلال بقليل أثناء الدعايات الحزبية، فهذا المأخوذ حرام لا يحل لأحد التصرف فيه.

ومنه ما يأخذه الجمارك على البضائع من التجار المسافرين فهو غصب ومكس لا يحل أبداً، إلا إذا حمل على مسألة المصالح المشهورة إن دامت العلة التي أوجبت و إلا وجب رده لأسصحابه إن علموا و إلا فحمله بيت المال ويصرف في المصالح العامة.
________________________________________

[1] - راجع كتاب المكاسب للمحاسبي ص: 94-95

[2] - كتاب النوازل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب بأمر صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني.

[3] - راجع الفاصل بين الحق والباطل. للمؤلف

[4] - انظر الحطاب: ج 5 ص 276-277 نشر مكتبة طرابلس ليبيا.
[center]
[center]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
البنوك ضرورتها - عائداتها / الشيخ إبراهيم صالح الحسيني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دار الحديث الأشرفية :: الملتقى العام-
انتقل الى: